اسماعيل بن محمد القونوي
117
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بذكر ما يدل على انتفائه وهذا معنى الاستبطان هنا وإلا فالكفر مستبطن في ذاته لكونه فعلا قلبيا كالإيمان . قوله : ( وصنع اللّه تعالى معهم من إجراء أحكام المسلمين عليهم ) من حقن الدماء وسلامة الأموال والأولاد ومشاركة المؤمنين في المغانم والأحكام « 1 » وهذا في أول حالهم وبعد برهة من الزمان ظهر حالهم وفشا شأنهم ودمرهم اللّه تعالى عن أخرهم كما سيجيء التفصيل في قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [ البقرة : 18 ] . قوله : ( وهم عنده أخبث الكفار وأهل الدرك الأسفل من النار ) لقوله تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [ النساء : 145 ] ( استدراج لهم ) والاستدراج الاستصعاد والاستنزال درجة بعد درجة الخ أصل معناه والمراد هنا التقريب إلى الهلاك قليلا قليلا وكان مشابها للاستصعاد أطلق الاستدراج عليه استعارة ( وامتثال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين أمر اللّه تعالى في إخفاء حالهم وإجراء حكم الإسلام عليهم مجازاة لهم ) مكافأة لهم ( بمثل صنيعهم ) من إظهار الإيمان الخ قوله صورة صنع اللّه خبر إن في وأما إن ( صورة ) صنيعهم أي كصورة ( صنيع المخادعين ) جمع مخادع أو مثنى والمفاعلة على هذا المعنى مجازية أو حقيقية من جهة الهيئة إذ معاملة الخداع من الجانبين ولم يذكر المصنف وجهين آخرين ذكرهما الزمخشري الأول أنه ترجمة عن معتقدهم وظنهم أنه تعالى يصح خداعه وقد عرف أنه لا وجه له فتركه أولى كذا قيل وقد عرفت توجيهه فتذكر والثاني أنه من قبيل أعجبني زيد وكرمه فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا باللّه وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص ولما كان المؤمنون من اللّه بمكان سلك بهم ذلك المسلك انتهى فذكر اللّه تعالى لمجرد التوطئة وليس لتعلق الخداع به كقوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [ الأنفال : 41 ] الآية وقوله تعالى : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [ التوبة : 62 ] الآية والنكتة في ذلك ما أشار إليه الزمخشري من قوة الاختصاص وقربهم منه تعالى حتى كأن الفعل المتعلق بهم تعلق به تعالى ومن هذا القبيل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الأحزاب : 58 ] الآية وكذا الحال في أعجبني زيد وكرمه وعلمت زيدا فاضلا فإن ذكر زيد توطئة وتنبيه على أن الكرم قد شاع والفضل قد شاع فيه وتمكن بحيث يصح أن يسند الإعجاب لكرمه وهو عطف تفسيري أو جرى مجرى التفسير وكذا الكلام في علمت زيدا فاضلا وأما قولك أعجبني زيد كرمه على البدلية فليس في هذه المرتبة في إفادة التلبس بينهما لدلالته على أن المقصود بالنسبة هو الثاني فقط وإنما ذكر الأول سلوكا لطريقة الإجمال والتفصيل وفي صورة العطف قد دل بحسب الظاهر على قصد النسبة قوله : استدراجا لهم من درجه إلى كذا واستدرجه أي أدناه منه على التدريج وقربه منه درجة .
--> ( 1 ) والأحكام كالصلاة عليهم في موتهم ووقوف المسلمين حين دفنهم حتى نزل قوله تعالى : وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً الآية .